السبت، مايو 11، 2013

خبرة مسلمة مع أسبوع الآلام


                                                                                                                                                                                                                                            
                حين تنشأ في بيئة كل من فيها ينتمون إلى ديانة واحدة، فإنّك لا تستطيع أن تتصور أناسًا آخرين يتعبدون إلى الله بدين مختلف، ولهم في الحياة رؤية مخالفة وفقًا لهذا الدين؛ هذا فضلاً عن أن تتصور كيف يمكن أن تعيش مع أولئك المختلفين، وتجد بينك وبينهم مشتركًا. الحياة في مجتمع ذي دين واحد تبدو سهلة وبسيطة وانسيابية وذات بعد واحد. هكذا كان تكويني النفسي حين نشأت في الإمارت العربية وقضيت فيها طفولتي وصباي. كلّ الناس من حولي مسلمون، دور العبادة هي المساجد، الكلّ يقرأ القرآن ويصلّي الصلوات الخمسة، ويصوم رمضان، كل النساء يرتدين غطاء للرأس في المدرسة سواء وافق ذلك إرادتهن أم لا. لا يوجد قومٌ آخرون يقرؤون كتابًا غير القرآن، لا توجد صلاة مختلفة، ولا يوجد صوم مختلف، لا يوجد أي تحديات من أي نوع على هذا الصعيد. لُقّنّا أنّ الإسلام حق وما عداه باطل، وأن المسلمون هم المؤمنون، ومن عداهم كافرون، ويترتب على هذا أنّنا فقط من نستحق دخول الجنّة ومصير الكافرين النّار.

لم تصمد كل الدروس التلقينية التي تلقيتها في البيت والمدرسة والمسجد والمجتمع أمام الرغبة في التعرف عن قرب على دين جماعة من أهل بلدي يوصفون بالأقلية، أقصد المسيحيين الأقباط. لا جديد سأجنيه إن حاولت التعرف على دين آخر من خلال مصادر ديني. سيأتي الجديد فقط حين أفتح عقلي وقلبي وأتعرف على دينهم من خلالهم، وأعايشهم أهم أسبوع في عامهم، إنّه أسبوع الآلام. لم أتصور كيف كنت بضيق الأفق هذا أن عشت في القاهرة مع المصريين المسيحيين خمسة عشر عامًا دون أن أعرف ما أسبوع الآلام ولمَ يحتفل به جماعة من أهل بلدي؟

تابعت قناة أغابي المسيحية كل يوم في أسبوع الآلام، وشاهدت كيف يصلون ويتعبدون، ويمارسون معتقدهم في صلب المسيح _عليه السلام_ ويعيدون سرد حادثة الصلب ويعيشون داخلها لحظة بلحظة. هذه المعايشة تتم من خلال قراءة ما حدث في كل يوم من أيام هذا الأسبوع في الكتاب المقدس، والاستماع لتأملات وتفسيرات الأساقفة والقسيسين لتتابع هذه السردية. كلّ الشعائر والصلوات تُقام  في الكنيسة وبرعاية رجال الدين. لاحظت وفهمت هذا المخزون التأملي الكبير  الذي استدعته حادثة الصلب، يفيض على المسيحيين معانٍ جليلة في أفهامهم ونظرتهم للكون وأخلاقهم وتعاملاتهم بل وتكوينهم النفسي. يتحدث رجال الدين المسيحي عن الفداء وتكفير الخطايا، يتحدثون عن الحب والمحبة، والحنان والترفق، عن الإيمان بالله والكفر بالشيطان ومقاومته وصدّه، يتحدثون عن الابتلاءات وتكفير  الذنوب والمعاصي، عن الاطّراح بين يدي الله، والتوبة. إنّها معانٍ جليلة أجد لها نظيرًا في ديني! يستلهمون إيمانهم بصلب المسيح لينشؤوا فنونا جميلة؛ رسمًا ونحتًا وتصويرًا وغناءً وعزفًا وموسيقى وترانيمَ وتمثيلاً. أدركت حينها كيف تتشابه بعض الظواهر بين الأديان على الرغم من اختلاف المصدر، وأدركت كذلك كيف يمكن أن تؤثر مفاهيمنا الدينية على حياتنا الاجتماعية، ومن ثمّ على تعايشنا المشترك.

إنّ التعايش في سلام يبدأ من فهم الآخر من حيث هو، لا من حيث أنا؛ من حيث يشرح نفسه بناء على مصادره لا من حيث أحكم عليه من خلال مصادري؛ يبدأ حين أتخلّى عن مسلماتي وأقترب منه ومن معتقداته بقلب وعقل مفتوح ونقي؛ يبدأ حين نكون على استعداد أن نعلم أطفالنا في المدارس ماذا يعني الدين إجمالاً؟ وماذا تعني المسيحية وماذا يعني الإسلام؟ كيف نصوم ويصومون؟ كيف نصلي ويصلون؟ كيف نؤمن ويؤمنون؟ هنا، يمكن أن نتوقف لنقول إنّ التعايش الحقيقي بين أهل الأديان لا يمكن أن يتم دون أن نعيد النظر في مقولتي الإيمان والكفر، كلّ دين بحسب مصادره المؤسّسة له؛ ثمّ في تجنيب هاتين المقولتين مجالَ السياسة والحرب تمامًا. 

الأربعاء، مايو 01، 2013

تأمل في الدين والواقعة المؤسِّسة


أتابع في هذا اﻷسبوع باهتمام بالغ مراسمَ اﻻحتفال بأسبوع اﻵﻻم عند المسيحيين، بغيةَ فهم المسيحية والمسيحيين أكثر. ما زلنا اليوم في أربعاء البصخة، وما زال المسيح/ اﻹله يتألم وفقًا للاعتقاد المسيحي ولمّا يمت بعد.

ﻻحظت أثناء متابعتي بعض القنوات القبطية أنّ الدين المسيحي كله ، والذي تطور وتشكل عبر اﻷزمان وتفرق إلى طوائف ومذاهب، مؤسَّسٌ على هذه الواقعة تحديدا، أعني واقعة صلب المسيح حسب اﻻعتقاد المسيحي. وهو ما تبدّى في قول البابا شنودة: “المسيحية هي الصليب والصليب هو المسيحية"، تذكرني هذه اللحظة/ الواقعة المؤسِّسَة بواقعة استشهاد الحسين في كربلاء، والتي تأسس عليها المذهب الشيعي كله. وعلى الرغم من تطور المذهب الشيعي وتعقده عبر الزمن وتفرقه إلى مذاهب إﻻّ أنّه ظلّ مبتدئًا ومؤسّسًا على هذه الواقعة. وعلى الرغم من وجود واقعة استشهاد الحسين في التاريخ السني كذلك، واﻻعتراف بها، إﻻ أنها لم تشكل لحظة مؤسّسة لتطور ديني بعدها. 

هنا تستوقفني هذه المقارنة، ﻷحاول البحث عن واقعة تأسيسية للإسلام إﻻّ أنّي لم أجد، فلا أستطيع أن أقول أنّ لحظة الوحي للنبي، أو لحظة الهجرة، أو لحظة موت النبي مثلاً تمثل لحظة فاصلة في الوعي التاريخي للمسلم، أو واقعة مؤسّسة لتطور ديني يبتدئ بناء عليها واستلهامًا منها. وهذا ما يجعل قابلية اﻹطلاق في اﻹسلام أعلى من قابلية النسبية والمحدودية. 

وكذا تستوقفني نقطة نظام مهمة فيما يتعلق بالحوار المسيحي اﻹسلامي، وهي أنّ أي محاولة للتقارب العقدي أو محاولة طرف لتصحيح عقائد طرف آخر هي محاولة محكومٌ عليها بالفشل ابتداء، وغير ذات فعالية في الحوار.   يخبرنا القرآن أن المسيح لم يُصلب، بل رُفع ، "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم" إنّ مجرد تصور هذه اﻵية الكريمة سيعني هدم البناء المسيحي كله على رأس معتقديه. البناء الذي يشمل اعتقاداتهم، ونظرتهم للكون، وتكوين نفوسهم ، ونظرتهم إلى الحياة اﻵخرة، فضلا عن مؤسساتهم من كنائس وأديرة وما يستتبعها. أفيُعقل أن نتحاور فيما هو مؤسّسٌ لدين!! إنّ محاولة الحوار في عقيدة صلب المسيح، إن تجاوزت مرحلة الشرح والتفسير إلى مرحلة محاولة اﻹقناع، ستؤدي حتمًا إلى أن يكفِّر بعضنا بعضًا، فكيان المسيحية كله مؤسَّسٌ على هذه الواقعة، والقرآن يخبرنا في بساطة أنّ المسيح لم يُصلب. إذًا، فلنترك العقائد جانبًا ولنا في الحوار اﻷخلاقي والفكري متّسع.

و لا يفوتني هنا مباركة عيد الفصح لجميع المسيحيين، والذي استدعى لي هذا التأمل!

الخميس، نوفمبر 08، 2012

ندوة سوريا الطريق إلى الأمام: تأملات شخصية



مركز بروكينجز_ واشنطن العاصمة ومركز بروكينجز الدوحة

حضرت لتوي ندوة أقامها مركز بروكينجز في واشنطن العاصمة و مركز بروكينجز الدوحة، ناقش فيها (مايكل دوران) الزميل في مركز سابان لدراسة سياسات الشرق الأوسط، ورقة السياسات التي قدمها (سلمان شيخ) مدير بروكينجز الدوحة. ذهبت إلى الندوة وكلي حماس أن أفهم شيئا عمّا يحصل في سوريا، وكلي أمل كذلك أن أشعر ببريق أمل أو تنبؤات متفائلة من هؤلاء الباحثين المتخصصين!

سلمان شيخ كان متحمسا جدا للحل السياسي الذي عرضه في ورقته التي تبدو متفائلة. إنّه يقفز قفزة رشيقة فوق الحالة الراهنة التي يسودها القتل والقتال المستمر الذي يعيشه السوريون كل يوم، ليرى في المستقبل إمكانية المبادرة لجمع الفرقاء السوريين ليجلسوا على طاولة واحدة ليتفاوضوا ويتناقشوا لبناء رؤية لمستقبل سوريا! هذه الطاولة تجمع: قبائل، علويون، أكراد، عائلات عريقة، نخبة اقتصادية، سنة، شيعة، مسيحيون.

كل هؤلاء _ حسب ورقة سياسات سلمان_ يجب أن يجلسوا على طاولة واحدة للتفاوض والنقاش! وكأنّ شيئًا لم يكن! في قدرة ملائكية عالية للتسامح والتفاؤل وتجاوز الذات الطائفية! لم تخبرنا ورقة سياسات سلمان إن كان أحد من هؤلاء النخبة السورية لم تتلوث يداه بدم بريء؟ ولم يخبرنا كذلك إن كان أحد من هؤلاء النخبة لا ثأر لديه عند أحد آخر ممن يجلس على الطاولة! المهم، عليهم أن يتفاوضوا ويتناقشوا لبناء هذه الرؤية المستقبلية.

توصي الورقة كذلك بضرورة توحيد الجيوش الحرة السورية في جيش واحد، وكذلك توحيد المعارضات السورية المفتتة في معارضة واحدة! هكذا توصي الورقة، دون نظر لذلك التاريخ الطويل من القمع والدم والدفع للهجرة وترك الوطن! على الفرقاء النقاش والحوار والتفاوض، وعلى المجتمع الدولي أن يساعدهم في ذلك!

ترى الورقة كذلك أن السياسة الأمريكية تجاه سوريا يمكن تلخيصها في أنه لا يوجد سياسة خارجية أساسا تجاه سوريا! ولكن حان الوقت لتتدخل الولايات المتحدة وتفعل شيئا، وتتخذ قرارات صعبة وقوية!

الآن جاء وقت مايكل دوران ليتحدث. مايكل ليس متفائلا على الإطلاق، بل يصرّح بتشاؤمه تجاه مستقبل سوريا! إنه يفند الحل السياسي تفنيدًا تامًّا بل ويتهكم عليه، فكيف نتصور أنه لا يوجد من لوث يديه بالدماء ليجلس ويتفاوض! إنّ اعتراف النظام السوري بضرورة الإصلاح يعني إنهاء هذا النظام لنفسه، وهو ما لن يحدث. كما إن الطائفة العلوية طائفة قوية، والمبادرات لتوحيد المعارضة لن يكتب لها النجاح على الأغلب لأن جهود النظام مستمرة في قتل السوريين، وتفتيت المعارضة! أمّا الأكراد فقد تحالفوا مع الأسد الذي يستخدمهم لغرض تفتيت المعارضة. ولم يفته كذلك التهكم على السيمنارات التي تقيمها أمريكا في استانبول لتعليم السوريين الديمقراطية والمشاركة السياسية.

لا يرى مايكل أملاً في الحل السياسي على الإطلاق! بل يرى الحل لإنهاء الأزمة هو الحل العسكري؛ تسليح المعارضة وتدخل الولايات المتحدة للقيام بدور قيادي عن طريق أصدقاءها في الإقليم (السعودية، قطر، تركيا)  فلمَ لاتتدخل الولايات المتحدة؟  يرى مايكل دوران أنّ سوريا مهمة بالنسبة للولايات المتحدة، ولكنّها ليس مهمة بالدرجة الكافية لتصبح خيارًا استراتيجيًّا، ولذا فهي لا تعبأ كثيرًا بالتدخل، بل يمكن قراءة مؤشرات مبادرات إيجابية تجاه روسيا من قِبل الرئيس أوباما! تدخل الولايات المتحدة في سوريا سيزعج روسيا، وهو مالن تفعله الولايات المتحدة. مايكل دوران يفسر لنا لمَ لا تتدخل الولايات المتحدة؟ وعلى الرغم من ذلك يرى ضرورة تدخلها، ولذا فهو يقدم لها المسوغ والدافع لتتدخل. إنّ هذا الدافع هو (إيران)... مساعدة السوريين لإنهاء حكم أكبر حليف لإيران سيوقع ألما شديدا بها، وهو ما يجب أن تفعله الولايات المتحدة باعتبار إيران وبرنامجها النووي خطرا استراتيجيًّا على الولايات المتحدة؛ ولذا على السياسة الخارجية الأمريكية أن تعيد النظر إلى سوريا في إطار مدخل استراتيجي جديد وهو العلاقة مع إيران وخطر برنامجها النووي، لتكتسب سوريا بذلك أهمية استراتيجية. ولكن تسليح المعارضة والدفع إلى قيام حرب، سيؤدي إلى حرب بين سوريا وتركيا... لم يقدم مايكل دوران تفسيرا كافيا لأسباب قيام هذه الحرب، كما لم يقدم تفصيلا كافيا لهذا الحل العسكري. ولكنه أكد على أهمية أن تقوم الولايات المتحدة بدور قيادي، وتقود أصدقاءها في المنطقة للعب أدورا لحل هذا النزاع.

ملحوظة أساسية: لم يأت ذكر (مصر) للعب دور في النزاع، كما لم يأت ذكر إسرائيل كذلك، وبقي المجال الجغرافي للصراع الدائر في سوريا: روسيا، إيران، الخليج العربي، تركيا.  


سلمان شيخ 

مايكل دوران 

هكذا نجلس نحن في غرف مكيفة مريحة لنتناقش نقاشا أكاديميا باردًا في أحوال ومستقبل من يجلسون تحت القصف، ومن يرجون طريقة أكرم للموت من حدّ السكين، و من يلتحفون برد الشتاء الثاني لهم في مخيماتهم على الحدود، ومن تركوا بيوتهم وذكرياتهم خلفهم وينتظرون العودة إليها في كل لحظة... هكذا نطلب ببرود أن يسامح أخو المقتول القاتل، وأن ينسى الأخ شرف أخته، وأن تصفح البنت عمّن اعتدى وأسرف في الاعتداء، وأن يحمل الأب نعش ابنه، والابن نعش أمه، حيث المثوى الأخير، ثمّ ليجلسوا على طاولة تفاوض ليبنوا شيئا ما، اسمه الوطن، هو أهمّ من حيواتهم وحيوات فلذات أكبادهم، الوطن الذي احتكره فرد واحد، ولم يدخل بعد في حيازتهم !

الجمعة، يونيو 15، 2012

لقائي الأول مع المسيري

كتب في 7 يونيو 2003

إحساس بالعظمة تملّكني في بداية الجلسة معه، سرعان ما أزاله من نفسي تواضعه الشديد، فازداد له إعظامي !! كان يحدثني ببساطة وهدوء، ويتناول معي شؤوني الخاصّة في تفاهم واهتمام، على الرّغم أنّني متيقنة أنّني أجلس أمام العالم كلّه مرئيًّا في عقله العبقريّ. يا للرهبة !
صادفت موسوعته الضخمة (اليهود واليهوديّة والصهيونيّة) في إحدى المكتبات، وأدركت من قراءتي لبعض صفحاتها أنّي أمام مفكّر مجدد. ربّما حاولت حينها أن أرسم في خيالي صورة له ولمكتبته الضخمة المنظّمة تنظيمًا صارمًا، ولبيته المهيب؛ ولكنّي عندما دخلت بيته لم أجده كما رسمته في خيالي؛ بل وجدت بيتًا متواضعًا، ولكنّه فريد متفرد، ووجدت كتبًا متنوعة مختلفة في غرفة معزولة متواضعة، وقابلت شخصيّة متفرّدة أسرتني بجوهرها وروحها، وعقلها الفذّ، ما جعلني أشعر أنّ  إنسانًا مثله، إنّما هو إنسان الجوهر لا إنسان المظهر.
هذا ما اعتمل في نفسي حين رأيت المسيري لأوّل مرّة...
كان لقائي معه ساعةً من زمان، لا أدري إن كانت في قيمتها أطول أم أقصر؛ ولكنّي كنت أشعر أنّني خارج نطاق الزمن، عشت لحظات لم أشعر فيها بالزمن أو معنى الزمن.
في هذه الجلسة، تحقق حلم كنت أحلم به منذ عام ونصف العام، وتعلّمت درسًا إن شاء الله هو أوّل الدروس التي أتعلمها من د. المسيري.
أمّا الحلم، فهو حلم ملازمته، والتلمذة على يديه، والتعلم منه...
وأمّا أول الدروس فهو درس التحرر من قيود التخصص والشهادات والتصنيفات. تعلّمت من اللقاء الأوّل أنّ الباحث الحقيقي هو الذي يبحث عن إجابة لتساؤلاته وإشكاليّاته، فنقطة بدايته هي (الإشكاليّة) وليس (الموضوع) وفي سبيل الوصول لإجابات أسئلته، فإنّه يطير من حقل تخصص إلى حقل تخصص آخر، في محاولة للفهم والرّبط، دون الوقوف أمام الحواجز التصادميّة بين التخصصات التي صنعها المتخصصون. هذا في مرحلة البحث والمعرفة؛ أمّا في مرحلة الكتابة والإنتاج فيجب أن يكون الباحث متخصّصًا محترفًا .
انتهى الدّرس الأول...

الخميس، مايو 31، 2012

لماذا نجح أبو الفتوح؟ : رؤية من الخارج





حكم كثير من المحللين  على أبو الفتوح بالإخفاق قياسًا إلى المفاهيم البراجماتية للفوز والخسارة، التي تعتبر الفوز هو الوصول إلى السلطة عن طريق حصد أعلى رقم من أصوات الناخبين، والإخفاق هو حصد عدد أصوات أقل، وذلك عن طريق العملية الانتخابية الديمقراطية التي تترجم في النهاية إلى رقم (معيار كمي). وهذا المفهوم للفوز أو الخسارة، وإن ناسب الدول الليبرالية الديمقراطية التي بنيت  العملية الديمقراطية فيها على أساس فكري تعلو فيه قيمة الحرية والفردية، و وتأسست على قاعدة من التعليم الأساسي والعالي الذي يتمتع به المواطنون. ولكن، في سياق مثل السياق المصري الذي يتلمس طريقه نحو مفاهيم للحرية والعدالة تناسب ثقافته وتاريخه الفكري والسياسي ومستقبله المأمول، ويقاتل في الوقت نفسه جبهة عريضة من شبكات المصالح والمنافع والعبيد، لتخلية الطريق نحو المستقبل المأمول، فإنّ مفهوم الفوز والخسارة لابدّ وأن يختلف. 


وإذا تبنينا مفهومًا للفوز والخسارة يعتمد على الكيف والنوع في مقابل الكم، ويعتمد على تحصيل النقاط في مقابل نعم/لا، فإنّ حصول أبو الفتوح _المتحرر من شرنقة الإخوان المسلمين بعد الثورة_ على ما يزيد على أربعة ملايين صوت  حصيلة عام واحد من الجهد والعمل يعني نجاحه هو وفريقه في إنجازات ثلاثة على الأقل تمت بالتوازي في وقت واحد . إنجاز أول انتخابي يتعلق بأخلاقيات كسب الأصوات، وإنجاز ثان وطني يتعلق ببناء مشروع واقعي لبناء مصر، وإنجاز ثالث فكري يتعلق بالتمهيد لبناء مقولات فكرية متجاوزة لميراث أيديولوجيات القرن العشرين. 


اعتمدت  الحملة الانتخابية في كسب الأصوات طرقًا نستطيع أن نصفها بالأخلاقية والنزاهة والمنافسة الشريفة. هذه الطرق تختلف جوهريًّا عن أساليب الإخوان الانتخابية التي اتبعتها حملة الشاطر/ مرسي، فضلا عن أساليب الحزب الوطني التي اتبعتها حملة شفيق. وهما الوسيلتان البراجماتيتان اللتان أثبتتا قدرتهما على حصد 50% من الأصوات. إنّ نسبة 17% من الناخبين التي حصل عليها أبو الفتوح تعني أنّ هناك 17 مصري من كل 100 مصري، يستجيبون لخطاب يتوجه إلى عقولهم وضمائرهم، ولا يستغل احتياجاتهم الآنية الضاغطة، أو يبث في روعهم أوهامًا وتخوفات غير واقعية. هناك أربعة ملايين مصري غير قابل لشراء ضميره أو إيهامه أو إلقاء الفتات له في مقابل وعود مستقبلية مجرورة. إن الملايين الأربعة لأبو الفتوح تختلف نوعيًّا عن ملايين مرسي أو شفيق الخمسة. 


أمّا المهمة الثانية التي بدأ فريق أبو الفتوح في إنجاها فهي تطوير مشروع لإعادة بناء مصر المسمّى (مصر القوية)، وتحويل قيم الثورة (عيش، حرية، عدالة اجتماعية) إلى برامج يمكن تنفيذها ومتابعتها، بالإضافة إلى المهنية واتّباع مشورة أهل الخبرة، وهو ما حاول تحقيقه من خلال تكوين فريق رئاسي. وعلى الرغم أنّ مشكلات مصر يدركها كل من ترشح للرئاسة تقريبًا، إلاّ أنّ حملة أبو الفتوح نجحت في تطوير خطط تنفيذية ذات توقيتات مقترحة  لحل مشكلات مصر وإصلاح ما أفسده حكم العسكر. 


أمّا الإنجاز الثالث، فهو محاولة تطوير تيار فكري جديد يتجاوز أطروحات ما يسمّى ب(الإسلام السياسي). أطروحات هذا التيار  ما تزال غضّة وفي طور التكوين، وحالمة بقدر كبير، ومازالت قائمة على على تفكيك تيار الإسلام السياسي الذي ساد القرن العشرين دون تركيب أطروحات جديدة. على سبيل المثال، ما تزال أطروحة (دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية) غير واضحة عند التطبيق العملي. و على الرغم من أهمية البدء والتجريب إلاّ أنّ المحاولة يشوبها الكثير من النقص والضبابية فالعباءة الواسعة التي ارتداها أبو الفتوح لجمع الليبراليين، والإسلاميين بأطيافهم والاشتراكيين بأطيافهم، في حلم يتجاوز الأيديولوجيات باتجاه الوطن كهدف واحد، تحتاج لإعادة تهذيب. في الحقيقة إن هذه التصنيفات ليست ذات بال أصلاً نتيجة ضحالة كثير من المثقفين في فهم هذه الأيديلوجيات والمذاهب التي يتبنونها، فضلا عن عدم قدرتهم على تطوير مشروعات سياسية عملية قابلة للتنفيذ منبثقة من هذه المذاهب. وعلى الرغم من أهمية تهذيب هذه المحاولة لبناء تيار متجانس، فإنّ محاولة تيار أبو الفتوح إذابة الفوارق الأيديولوجية إنّما هي إعادة الأمر إلى أصله، فتعدد المرجعيات هو تعدد مستورد، لم يكن وليد تاريخنا الفكري والاجتماعي والاقتصادي، الذي لم يؤدّ _في حقيقة الأمر_ إلى بروز ما يسمّى بالليبرالية أو الاشتراكية. بل كانت هذه المذاهب مصدّرة إلى منطقة الشرق الأوسط في القرن العشرين. صُدّرت الليبرالية في فترة الاحتلال، وصُدّرت الاشتراكية في في فترة الاستقلال باعتبارها الأيديولوجية الراعية لحركات التحرر والتحرير في بلدان كثيرة.


 الآن تخبرنا تجربة و نتائج حملة أبو الفتوح أن هذه الأيديولوجيات ليست بذات فعالية كبيرة، وأنّ حلمًا وطنيًّا من الممكن أن يذيبها ويشملها. ولا شك أنّ مجرد إدراك عدم فاعلية هذه المذاهب في حلّ مشاكلنا، وإدراك أنّ هناك مايجمعنا، ويمثل لنا همًّا مشتركًا هو خطوة في سبيل بناء مرجعية متجاوزة تأخذ في الاعتبار التاريخ الفكري والديني والاجتماعي والاقتصادي لمصر. وما يجب أن يعكف عليه خريجو هذه الحملة هو أن يقيموا نتائج تجربتهم ويطوروا بعض أطروحاتها، وأن يهتموا ببناء محتواها أكثر من طلاء واجهة الاصطلاحات.


وخلاصة القول، إنّ الحملة الانتخابية لأبو الفتوح لم تكن حملة انتخابية فقط، إنّما كانت فكرًا سياسيًّا ومشروعًا وطنيًّا وأخلاقًا عمليّة انتخابية، وستسمر روحًا وتيارًا يسري في المجتمع حتى يحين الوقت الذي نتنسم فيه عبير مصر القوية بإذن الله.