الاثنين، أغسطس 12، 2013

صور من سريبرينيتسا

زرت سريبرينيتسا للمرة الأولى في يوليو 2013، أي بعد مرور ثمانية عشر عامًا على الإبادة العرقية التي حدثت للمسلمين فيها على أيدي الصرب. وخلال الأعوام الثمانية عشرة بذل البوسنيون جهودًا كبيرة في الكشف عن المجازر الجماعية التي قُبر فيها الضحايا، ثم التعرف على هوية رفات الضحايا وإعادة دفنهم من جديد من أجل التكريم والذكرى. وفي هذا العام 2013 تم التعرف على 409 جثمان وتم الإعلان عن أسمائهم ودفنهم من جديد. 

مدخل المركز التذكاري لضحايا الإبادة العرقية في سريبرينيتسا يوليو 1995
shot taken by Naida Zemzem

مدخل المركز التذكاري لضحايا سريبرينيتسا 1995
القبة الخضراء مسجد يتوسط المركز والمدفن
يوليو 2013





8372 هو عدد ضحايا سريبرينيتسا يوليو 1995 والذين قتلوا على يد القوات الصربية ودفنوا في مقابر جماعية، ثم أعيد اكتشاف هذه المقابر بعد اتفاقية السلام ومن ثَمّ جرى التعرف على الجثامين وتمّ إعادة دفنها
الصورة في يوليو 2013
taken by Naida Zemzem
مدافن ضحايا سريبرينيتسا يوليو 1995
الصورة في يوليو 2013
taken by Naida Zemzem

قبر يُحفر استعدادا لدفن جثمان ضحية من الضحايا  تم تحديد هويته خلال العام المنصرم  وذلك بعد مرور 18 عام على الإبادة
الصورة في يوليو 2013
taken by Naida Zemzem 

الجمعة، يوليو 12، 2013

ما الذي جاء بك إلى سريبرينيتسا؟


"ما الذي جاء بك إلى هنا؟" هكذا سألتني أستاذة الخدمة الاجتماعية في جامعة دينفر "آن بيتريلا"  بدا لي السؤال في البداية غريبًا! إذ كيف تسألني زميلةٌ مشاركةٌ في "جامعة سريبرينيتسا الصيفية" عن سبب مشاركتي في برنامج صيفي لدراسة إبادة سريبرينيتسا، بعد أن بذلت جهدًا في طلب التقديم، وتضخمت مشاقًّا في الحصول على الفيزا، وقطعت البحر المتوسط إلى إستانبول ثمّ إلى سراييفو ثم إلى سريبرينيتسا!! تذكّرت لوهلة أنّني أمام أستاذة أمريكية تريد تسويغًا مقبولاً لأيّ فعلٍ يُفعل ، إذ كيف للأمريكي أن يستوعب لمَ يبذل الجهد والوقت والاهتمام لدراسة جزء صغير من تاريخ هذا الجزء من العالم دون تسويغ عقلاني مقبول؟

حينما حدث الاعتداء على البوسنة في عام 1992، كنت في الصف الأول الإعدادي في مدرسة المريجب الإعدادية  في مدينة العين في دولة الإمارت. وكالعادة المتبعة في مدارس الإمارت، كانت الأنشطة المدرسية متجهة دائمًا للارتباط بحدث ما جللٍ يحدث في "الأمة الإسلامية" وكان للبوسنة النصيب الأكبر في ذاكرتي وتكويني النفسي والعاطفي الإسلامي في مرحلة المراهقة؛ إذا استمر الاعتداء على البوسنة ثلاث سنوات 1992_1995 وهي الفترة التي كنت أدرس فيها في المدرسة الإعدادية. كان نشيد "سراييفو" هو النشيد المفضل لدى إدارة النشاط المدرسي لبثّه عبر مكبرات الصوت في الفسحة المدرسية _وهي الفسحة التي من المفترض للتلميذات أن يمرحن  فيها إلاّ أنه ولسبب ما كنا نقضي الفسحة ثمّ نعود إلى الفصول على وقع هذا النشيد_  والذي مطلعه:

نناديكم وقد كَثُر النحيب نناديكم ولكن من يجيب
نناديكم وآهات الثكالى تحدثكم بما اقترف الصليب
سراييفو سراييفو

وحين كانت الطائرة تهبط بي في مطار سراييفو، ظلّ هذا النشيد يتردد على مسامعي، واستحضرت ذاكرتي كلّ مرات البكاء والعزوف عن الراحة في الفسحة المدرسية بسبب هذا النشيد الذي ظلّ هو النشيد الأساسي في الفسحة مدة ثلاث سنوات_وربما كان عدد مرات سماعه تفوق عدد مرات سماع النشيد الوطني لدولة الإمارات_، ثمّ لعبي لدور "الفدائي"  في مسرحيات مدرسية عن البوسنة، كان يتلوها دائمًا معارض منتوجات يدوية يذهب ريعها_والذي لم يكن قليلا_ إلى البوسنة. وحين عاينت البوسنة الجميلة، وبدأ البرنامج،  بدأت هذه الذاكرة الشخصية المراهقة تتراجع إلى الوراء، لأبدأ في معايشة تجارب حية لأهل هذه البلاد أثناء الحرب، ثمّ قصص الناجين من الحرب ثم آثار الحرب التي مازالت البوسنة وناسُها يعيشونها إلى اليوم.

حين بدأت المشاركة في البرنامج، توقعت _بسبب هذه الذاكرة المشحونة عاطفيًّا_ أن أجد ذكرًا ما للعرب أو المسلمين أو الأمّة الإسلامية، عن دورهم مثلاً في الدعم أو التضامن! ولكنّي وجدت عوضًا عنه نكتة: "حين حدث الاعتداء على البوسنة، تفاجأ العرب أن هناك مسلمين أغلبية يعيشون في هذا الجزء من أوروبا، وسارعت دول الخليج بإرسال "التمر" للاجئين والمنكوبين، لم يعرف البوسنيون التمر من قبل، فقالوا: ما هذا ؟ إنّه من الممكن أن ننتج منه خمرًا" ولمن لم يزر البوسنة،  فإنّ المسلمين في البوسنة متصالحون جدًا مع الخمر ولا يرون فيها بأسًا، إذ إنّ الإسلام للأغلبية المسلمة ثقافة وليس تدينًا. وفهمت حينها، كيف يجري توظيف مفهوم "الأمّة" توظيفًا عاطفيًّا فقط لإشباع الذات العربية المسلمة الضعيفة، وأنّه في الحقيقة لا أثر لهذا المفهوم _البتة_ في أرض الواقع، على الأقل في حالة حرب البوسنة 1992-1995.

بالتأكيد، لم يكن هذا هو الدافع الذي أفصحت عنه لزميلتي الأمريكية، وهو وإن كان دافعًا باعثًا، فإنّ الدافع المحرّك كان أمرًا آخر وهو الذي أفصحت عنه لمحدّثتي. قلت لها إنّ  متابعتي للثورة السورية، جعلتني أقدّر أنّ القتل الذي يحدث فيها هو قتل مخطط له  منذ زمن، ما جعلني أرجح أنّ عملية القتل فيها ممنهجة. وهذه المتابعة نفسها هي التي جعلت أقرأ عن (الإبادة الأرمنية) وهي الإبادة التي حدثت بعض وقائعها على الأراضي السورية. اقتادني هذا التفكير إلى الرغبة المستقبلية في دراسة نمط الإبادات وكيفية توظيف الدين فيه، ودراسة كيف أنّ فعل الإبادة كامن في كل أمّة بصرف النظر عن دينها. ففي حالة الإبادة الأرمنية 1915، قتلت الأمة التركية العثمانية الإسلامية الأرمن المسيحيين_كاثوليك وأرثوذوكس_ وفي حالة الهولوكوست 1945  قتلت الأمة الألمانية المسيحية اليهود، وفي  حالة إبادة سربرينيتسا قتل الصرب المسيحيون الأرثوذوكس المسلمين البوشناق.  وهذه الحالات الثلاثة هي حالات "إبادة عرقية" معترف بها دوليًّا.


مدخل النصب التذكاري لضحايا سريبرينيتسا




السبت، مايو 11، 2013

خبرة مسلمة مع أسبوع الآلام


                                                                                                                                                                                                                                            
                حين تنشأ في بيئة كل من فيها ينتمون إلى ديانة واحدة، فإنّك لا تستطيع أن تتصور أناسًا آخرين يتعبدون إلى الله بدين مختلف، ولهم في الحياة رؤية مخالفة وفقًا لهذا الدين؛ هذا فضلاً عن أن تتصور كيف يمكن أن تعيش مع أولئك المختلفين، وتجد بينك وبينهم مشتركًا. الحياة في مجتمع ذي دين واحد تبدو سهلة وبسيطة وانسيابية وذات بعد واحد. هكذا كان تكويني النفسي حين نشأت في الإمارت العربية وقضيت فيها طفولتي وصباي. كلّ الناس من حولي مسلمون، دور العبادة هي المساجد، الكلّ يقرأ القرآن ويصلّي الصلوات الخمسة، ويصوم رمضان، كل النساء يرتدين غطاء للرأس في المدرسة سواء وافق ذلك إرادتهن أم لا. لا يوجد قومٌ آخرون يقرؤون كتابًا غير القرآن، لا توجد صلاة مختلفة، ولا يوجد صوم مختلف، لا يوجد أي تحديات من أي نوع على هذا الصعيد. لُقّنّا أنّ الإسلام حق وما عداه باطل، وأن المسلمون هم المؤمنون، ومن عداهم كافرون، ويترتب على هذا أنّنا فقط من نستحق دخول الجنّة ومصير الكافرين النّار.

لم تصمد كل الدروس التلقينية التي تلقيتها في البيت والمدرسة والمسجد والمجتمع أمام الرغبة في التعرف عن قرب على دين جماعة من أهل بلدي يوصفون بالأقلية، أقصد المسيحيين الأقباط. لا جديد سأجنيه إن حاولت التعرف على دين آخر من خلال مصادر ديني. سيأتي الجديد فقط حين أفتح عقلي وقلبي وأتعرف على دينهم من خلالهم، وأعايشهم أهم أسبوع في عامهم، إنّه أسبوع الآلام. لم أتصور كيف كنت بضيق الأفق هذا أن عشت في القاهرة مع المصريين المسيحيين خمسة عشر عامًا دون أن أعرف ما أسبوع الآلام ولمَ يحتفل به جماعة من أهل بلدي؟

تابعت قناة أغابي المسيحية كل يوم في أسبوع الآلام، وشاهدت كيف يصلون ويتعبدون، ويمارسون معتقدهم في صلب المسيح _عليه السلام_ ويعيدون سرد حادثة الصلب ويعيشون داخلها لحظة بلحظة. هذه المعايشة تتم من خلال قراءة ما حدث في كل يوم من أيام هذا الأسبوع في الكتاب المقدس، والاستماع لتأملات وتفسيرات الأساقفة والقسيسين لتتابع هذه السردية. كلّ الشعائر والصلوات تُقام  في الكنيسة وبرعاية رجال الدين. لاحظت وفهمت هذا المخزون التأملي الكبير  الذي استدعته حادثة الصلب، يفيض على المسيحيين معانٍ جليلة في أفهامهم ونظرتهم للكون وأخلاقهم وتعاملاتهم بل وتكوينهم النفسي. يتحدث رجال الدين المسيحي عن الفداء وتكفير الخطايا، يتحدثون عن الحب والمحبة، والحنان والترفق، عن الإيمان بالله والكفر بالشيطان ومقاومته وصدّه، يتحدثون عن الابتلاءات وتكفير  الذنوب والمعاصي، عن الاطّراح بين يدي الله، والتوبة. إنّها معانٍ جليلة أجد لها نظيرًا في ديني! يستلهمون إيمانهم بصلب المسيح لينشؤوا فنونا جميلة؛ رسمًا ونحتًا وتصويرًا وغناءً وعزفًا وموسيقى وترانيمَ وتمثيلاً. أدركت حينها كيف تتشابه بعض الظواهر بين الأديان على الرغم من اختلاف المصدر، وأدركت كذلك كيف يمكن أن تؤثر مفاهيمنا الدينية على حياتنا الاجتماعية، ومن ثمّ على تعايشنا المشترك.

إنّ التعايش في سلام يبدأ من فهم الآخر من حيث هو، لا من حيث أنا؛ من حيث يشرح نفسه بناء على مصادره لا من حيث أحكم عليه من خلال مصادري؛ يبدأ حين أتخلّى عن مسلماتي وأقترب منه ومن معتقداته بقلب وعقل مفتوح ونقي؛ يبدأ حين نكون على استعداد أن نعلم أطفالنا في المدارس ماذا يعني الدين إجمالاً؟ وماذا تعني المسيحية وماذا يعني الإسلام؟ كيف نصوم ويصومون؟ كيف نصلي ويصلون؟ كيف نؤمن ويؤمنون؟ هنا، يمكن أن نتوقف لنقول إنّ التعايش الحقيقي بين أهل الأديان لا يمكن أن يتم دون أن نعيد النظر في مقولتي الإيمان والكفر، كلّ دين بحسب مصادره المؤسّسة له؛ ثمّ في تجنيب هاتين المقولتين مجالَ السياسة والحرب تمامًا. 

الأربعاء، مايو 01، 2013

تأمل في الدين والواقعة المؤسِّسة


أتابع في هذا اﻷسبوع باهتمام بالغ مراسمَ اﻻحتفال بأسبوع اﻵﻻم عند المسيحيين، بغيةَ فهم المسيحية والمسيحيين أكثر. ما زلنا اليوم في أربعاء البصخة، وما زال المسيح/ اﻹله يتألم وفقًا للاعتقاد المسيحي ولمّا يمت بعد.

ﻻحظت أثناء متابعتي بعض القنوات القبطية أنّ الدين المسيحي كله ، والذي تطور وتشكل عبر اﻷزمان وتفرق إلى طوائف ومذاهب، مؤسَّسٌ على هذه الواقعة تحديدا، أعني واقعة صلب المسيح حسب اﻻعتقاد المسيحي. وهو ما تبدّى في قول البابا شنودة: “المسيحية هي الصليب والصليب هو المسيحية"، تذكرني هذه اللحظة/ الواقعة المؤسِّسَة بواقعة استشهاد الحسين في كربلاء، والتي تأسس عليها المذهب الشيعي كله. وعلى الرغم من تطور المذهب الشيعي وتعقده عبر الزمن وتفرقه إلى مذاهب إﻻّ أنّه ظلّ مبتدئًا ومؤسّسًا على هذه الواقعة. وعلى الرغم من وجود واقعة استشهاد الحسين في التاريخ السني كذلك، واﻻعتراف بها، إﻻ أنها لم تشكل لحظة مؤسّسة لتطور ديني بعدها. 

هنا تستوقفني هذه المقارنة، ﻷحاول البحث عن واقعة تأسيسية للإسلام إﻻّ أنّي لم أجد، فلا أستطيع أن أقول أنّ لحظة الوحي للنبي، أو لحظة الهجرة، أو لحظة موت النبي مثلاً تمثل لحظة فاصلة في الوعي التاريخي للمسلم، أو واقعة مؤسّسة لتطور ديني يبتدئ بناء عليها واستلهامًا منها. وهذا ما يجعل قابلية اﻹطلاق في اﻹسلام أعلى من قابلية النسبية والمحدودية. 

وكذا تستوقفني نقطة نظام مهمة فيما يتعلق بالحوار المسيحي اﻹسلامي، وهي أنّ أي محاولة للتقارب العقدي أو محاولة طرف لتصحيح عقائد طرف آخر هي محاولة محكومٌ عليها بالفشل ابتداء، وغير ذات فعالية في الحوار.   يخبرنا القرآن أن المسيح لم يُصلب، بل رُفع ، "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم" إنّ مجرد تصور هذه اﻵية الكريمة سيعني هدم البناء المسيحي كله على رأس معتقديه. البناء الذي يشمل اعتقاداتهم، ونظرتهم للكون، وتكوين نفوسهم ، ونظرتهم إلى الحياة اﻵخرة، فضلا عن مؤسساتهم من كنائس وأديرة وما يستتبعها. أفيُعقل أن نتحاور فيما هو مؤسّسٌ لدين!! إنّ محاولة الحوار في عقيدة صلب المسيح، إن تجاوزت مرحلة الشرح والتفسير إلى مرحلة محاولة اﻹقناع، ستؤدي حتمًا إلى أن يكفِّر بعضنا بعضًا، فكيان المسيحية كله مؤسَّسٌ على هذه الواقعة، والقرآن يخبرنا في بساطة أنّ المسيح لم يُصلب. إذًا، فلنترك العقائد جانبًا ولنا في الحوار اﻷخلاقي والفكري متّسع.

و لا يفوتني هنا مباركة عيد الفصح لجميع المسيحيين، والذي استدعى لي هذا التأمل!

الخميس، نوفمبر 08، 2012

ندوة سوريا الطريق إلى الأمام: تأملات شخصية



مركز بروكينجز_ واشنطن العاصمة ومركز بروكينجز الدوحة

حضرت لتوي ندوة أقامها مركز بروكينجز في واشنطن العاصمة و مركز بروكينجز الدوحة، ناقش فيها (مايكل دوران) الزميل في مركز سابان لدراسة سياسات الشرق الأوسط، ورقة السياسات التي قدمها (سلمان شيخ) مدير بروكينجز الدوحة. ذهبت إلى الندوة وكلي حماس أن أفهم شيئا عمّا يحصل في سوريا، وكلي أمل كذلك أن أشعر ببريق أمل أو تنبؤات متفائلة من هؤلاء الباحثين المتخصصين!

سلمان شيخ كان متحمسا جدا للحل السياسي الذي عرضه في ورقته التي تبدو متفائلة. إنّه يقفز قفزة رشيقة فوق الحالة الراهنة التي يسودها القتل والقتال المستمر الذي يعيشه السوريون كل يوم، ليرى في المستقبل إمكانية المبادرة لجمع الفرقاء السوريين ليجلسوا على طاولة واحدة ليتفاوضوا ويتناقشوا لبناء رؤية لمستقبل سوريا! هذه الطاولة تجمع: قبائل، علويون، أكراد، عائلات عريقة، نخبة اقتصادية، سنة، شيعة، مسيحيون.

كل هؤلاء _ حسب ورقة سياسات سلمان_ يجب أن يجلسوا على طاولة واحدة للتفاوض والنقاش! وكأنّ شيئًا لم يكن! في قدرة ملائكية عالية للتسامح والتفاؤل وتجاوز الذات الطائفية! لم تخبرنا ورقة سياسات سلمان إن كان أحد من هؤلاء النخبة السورية لم تتلوث يداه بدم بريء؟ ولم يخبرنا كذلك إن كان أحد من هؤلاء النخبة لا ثأر لديه عند أحد آخر ممن يجلس على الطاولة! المهم، عليهم أن يتفاوضوا ويتناقشوا لبناء هذه الرؤية المستقبلية.

توصي الورقة كذلك بضرورة توحيد الجيوش الحرة السورية في جيش واحد، وكذلك توحيد المعارضات السورية المفتتة في معارضة واحدة! هكذا توصي الورقة، دون نظر لذلك التاريخ الطويل من القمع والدم والدفع للهجرة وترك الوطن! على الفرقاء النقاش والحوار والتفاوض، وعلى المجتمع الدولي أن يساعدهم في ذلك!

ترى الورقة كذلك أن السياسة الأمريكية تجاه سوريا يمكن تلخيصها في أنه لا يوجد سياسة خارجية أساسا تجاه سوريا! ولكن حان الوقت لتتدخل الولايات المتحدة وتفعل شيئا، وتتخذ قرارات صعبة وقوية!

الآن جاء وقت مايكل دوران ليتحدث. مايكل ليس متفائلا على الإطلاق، بل يصرّح بتشاؤمه تجاه مستقبل سوريا! إنه يفند الحل السياسي تفنيدًا تامًّا بل ويتهكم عليه، فكيف نتصور أنه لا يوجد من لوث يديه بالدماء ليجلس ويتفاوض! إنّ اعتراف النظام السوري بضرورة الإصلاح يعني إنهاء هذا النظام لنفسه، وهو ما لن يحدث. كما إن الطائفة العلوية طائفة قوية، والمبادرات لتوحيد المعارضة لن يكتب لها النجاح على الأغلب لأن جهود النظام مستمرة في قتل السوريين، وتفتيت المعارضة! أمّا الأكراد فقد تحالفوا مع الأسد الذي يستخدمهم لغرض تفتيت المعارضة. ولم يفته كذلك التهكم على السيمنارات التي تقيمها أمريكا في استانبول لتعليم السوريين الديمقراطية والمشاركة السياسية.

لا يرى مايكل أملاً في الحل السياسي على الإطلاق! بل يرى الحل لإنهاء الأزمة هو الحل العسكري؛ تسليح المعارضة وتدخل الولايات المتحدة للقيام بدور قيادي عن طريق أصدقاءها في الإقليم (السعودية، قطر، تركيا)  فلمَ لاتتدخل الولايات المتحدة؟  يرى مايكل دوران أنّ سوريا مهمة بالنسبة للولايات المتحدة، ولكنّها ليس مهمة بالدرجة الكافية لتصبح خيارًا استراتيجيًّا، ولذا فهي لا تعبأ كثيرًا بالتدخل، بل يمكن قراءة مؤشرات مبادرات إيجابية تجاه روسيا من قِبل الرئيس أوباما! تدخل الولايات المتحدة في سوريا سيزعج روسيا، وهو مالن تفعله الولايات المتحدة. مايكل دوران يفسر لنا لمَ لا تتدخل الولايات المتحدة؟ وعلى الرغم من ذلك يرى ضرورة تدخلها، ولذا فهو يقدم لها المسوغ والدافع لتتدخل. إنّ هذا الدافع هو (إيران)... مساعدة السوريين لإنهاء حكم أكبر حليف لإيران سيوقع ألما شديدا بها، وهو ما يجب أن تفعله الولايات المتحدة باعتبار إيران وبرنامجها النووي خطرا استراتيجيًّا على الولايات المتحدة؛ ولذا على السياسة الخارجية الأمريكية أن تعيد النظر إلى سوريا في إطار مدخل استراتيجي جديد وهو العلاقة مع إيران وخطر برنامجها النووي، لتكتسب سوريا بذلك أهمية استراتيجية. ولكن تسليح المعارضة والدفع إلى قيام حرب، سيؤدي إلى حرب بين سوريا وتركيا... لم يقدم مايكل دوران تفسيرا كافيا لأسباب قيام هذه الحرب، كما لم يقدم تفصيلا كافيا لهذا الحل العسكري. ولكنه أكد على أهمية أن تقوم الولايات المتحدة بدور قيادي، وتقود أصدقاءها في المنطقة للعب أدورا لحل هذا النزاع.

ملحوظة أساسية: لم يأت ذكر (مصر) للعب دور في النزاع، كما لم يأت ذكر إسرائيل كذلك، وبقي المجال الجغرافي للصراع الدائر في سوريا: روسيا، إيران، الخليج العربي، تركيا.  


سلمان شيخ 

مايكل دوران 

هكذا نجلس نحن في غرف مكيفة مريحة لنتناقش نقاشا أكاديميا باردًا في أحوال ومستقبل من يجلسون تحت القصف، ومن يرجون طريقة أكرم للموت من حدّ السكين، و من يلتحفون برد الشتاء الثاني لهم في مخيماتهم على الحدود، ومن تركوا بيوتهم وذكرياتهم خلفهم وينتظرون العودة إليها في كل لحظة... هكذا نطلب ببرود أن يسامح أخو المقتول القاتل، وأن ينسى الأخ شرف أخته، وأن تصفح البنت عمّن اعتدى وأسرف في الاعتداء، وأن يحمل الأب نعش ابنه، والابن نعش أمه، حيث المثوى الأخير، ثمّ ليجلسوا على طاولة تفاوض ليبنوا شيئا ما، اسمه الوطن، هو أهمّ من حيواتهم وحيوات فلذات أكبادهم، الوطن الذي احتكره فرد واحد، ولم يدخل بعد في حيازتهم !